02‏/08‏/2014

الشراكسة عنوان الصمود والتحدي


بقلم: علي محمد كشت
1/8/2014

    نشر عدد من المواقع الالكترونية خلال الاسابيع الماضية مجموعة من الاخبار والمقالات المترابطة في المضمون والتي يمكن القول انها تشير الى تطورات هامة على الساحة الشركسية خاصة في المهجر، هذه التغييرات في غاية الاهمية وهي تستحق المتابعة ومحاولة اطلاع الراي العام الشركسي عليها لانها تحمل في طياته حلولا لمشاكل اصبحت معقدة في المشهد الشركسي.
    وبالعودة  الى ما نشر من تقارير اخبارية فان ابرز ما يلفت النظر هو مقال منشور بتاريخ 30/5/2014 للمحلل السياسي التركي فهيم طاشتكين وخبر يتعلق بالجمعية العالمية الشركسية بتاريخ 24/6/2014وخبر اخر بتاريخ30/6/2014 يتضمن بيان من قبل منظمة (KAFFED)(الكافييد) وهي هيئة تنظيمية ينطوي تحتها مجموعة كبيرة من الجمعيات والمنظمات الشركسية في المهجر التركي في ما يشبه الاتحاد وهي تعتبر اكبر تجمع للجمعيات والمنظمات الشركسية في تركيا.
يكشف السيد فهيم طاشتكين في مقاله عن مجموعة من الاحداث وقعت في الاشهر الماضية على الساحة الشركسية في المهجر التركي في غاية الاهمية ويمكن تلخيصها بالنقاط التالية:
1.     يتحدث المقال عن اجتماع  عقد بناء على دعوة من السفير الروسي في اسطنبول لعدد من قيادات منظمة(الكافييد) وذلك على اثر قيام الاخيرة بالاعلان عن تنظيم مسيرات احتجاجية في الذكرى الـ"150" للحداد والمأساة الشركسية وتطالب بالاعتراف بالابادة الجماعية التي وقعت بحق الشراكسة من قبل الروس وما نتج عنها من اثار مدمرة للشعب الشركسي من تهجير وفقدان اللغة وغيرها ، هذا الامر معتاد ان يتم تنظيمه ولكن الغير معتاد ان تكون مشاركة منظمة (الكافييد)بهذه الطريقة الواضحة في احياء هذه المناسبة ورفع مثل تلك المطالب، ولتوضيح الصورة اكثر فانه يمكن القول انه ولسنوات طويلة اعتبرت (الكافييد)احدى الجمعيات التي تدور في فلك الجمعية الشركسية العالمية التي فقدت بسبب اعمالها وتصرفاتها  "احادية الجانب" ان صح التعبير مصداقيتها لدى ابناء الشعب الشركسي سواء في الوطن او المهجر كونها اصبحت من ابواق الاعلام الروسي بدلا من ان تكون ممثلة للمطالب الشركسية ، وكانت الكافيد تشكل الشريك والداعم الاكبر لسياسات الجمعية الشركسية العالمية، فعلى سبيل المثال في عام 2010 قتل احد المشجعين الروس في احدى مباريات الدوري الروسي وتبين بان قاتله قفقاسي الاصل، وعلى اثر ذلك قام رئيس رابطة (الكافييد)بزيارة للسفارة الروسية في تركيا لتقديم التعازي والمواساة في الوقت الذي كان فيه الشباب الشركسي ينظم المظاهرات والمسيرات لدعم القفقاسيين في وجه التمييز العنصري الروسي بحقهم على اثر الحادث، ورغم ان عام 2010 حمل انباء سيئة عن مقتل الناشط الشركسي الشاب اصلان جوكوف والصحفية بيلا كوسلافا في شركيسك الا ان السيد رئيس (الكافييد)لم يقم انذاك بتعزية او استنكار او حتى التعبير عن قلقه للسفارة الروسية من هذه الجرائم التي حصدت ارواح الشراكسة ولكن كان من المستغرب المسارعة الى التعزية في وفاة مشجع سبارتاك موسكو، وقتها كان  التساؤل  الاكبر حول تباين المواقف لدى هذه المنظمة وهل هي فعلا تخدم المصلحة الشركسية، وخلال الفترة ما 1-8 ايلول 2013 تم دعوة وفد شبابي شركسي لزيارة الفدرالية الروسية  بعض اعضاء الوفد من ابناء المجتمع الشركسي في تركيا حاولوا اثارة المطالب الشركسية المتعلقة بالاعتراف بالابادة الجماعية واولمبياد سوتشي انذاك ، وكان هناك اجابات من الجانب الروسي تحدثت عن رفضهم للاعمال الاحتجاجية الشركسية والتي وصفوها بالعدوانية وانه امر لا يمكن السكوت عليه وان الماضي لا بد من تركه جانباً وان السلطات الروسية لا تعترف سوى بمنظمة الـ" كافيد" كممثل عن الشراكسة في تركيا وان هناك علاقة تتسم بالتفاهم والاحترام مابين ال"كافيد" وموسكو، اذا واستنادا الى السياسة المتبعة من قبل ال(الكافييد)خلال السنوات الماضية فان شق عصا الطاعة من قبلها هذا العام وقيامها بالاشراف المباشر على تنظيم المسيرات والاحتجاجات وعدم المشاركة الرمزية من قبلها ورفع سقف المطالب الشركسية التي ترفضه موسكو هو امر يثير التساؤل، وبالرجوع الى المقال مدار البحث فان كاتبه يشير الى ان السفير الروسي قام بتقديم ما سماه "غصن زيتون" الى قيادات كافيد وغيرهم من ممثلي الشراكسة في المهجر التركي واكد لهم ان روسيا الفدرالية تعتبر المهجر الشركسي جزء منها وان مشاكله ايضا جزء منها، وان روسيا مستعدة لمواجهة ماضيها حسب تعبيره.

2.     اشار المقال الى التغيير في سلوك (الكافييد) منذ عدة شهور وبالتحديد بعد انتهاء اولمبياد سوتشي ويذكر كاتب المقال ان السيد يسار اصلانكايا رئيس الـ(الكافييد) قد تحدث عن اجتماع عقد بتاريخ 29/3/2014 في نالتشيك وبين ان لغة التهديد بالمنع من دخول القفقاس وسوء المعاملة هي التي كانت سائدة لدى الجانب الروسي(اي الجمعية الشركسية العالمية) بعد ان قام بايصال رسالة واضحة المضمون تفيد بان روسيا لم تنفذ اي من وعودها للشراكسة وانها لا تتحمل اي انتقاد مهما كان من قبل الشراكسة وهي تمارس سياسة اقرب الى البلطجة في القفقاس، وان صمت  الكافييد يعني فقدانهم لمصداقيتهم لدى ابناء شعبهم وهذا الامر لا تريد موسكو تفهمه او اخذه بعين الاعتبار، وان اصرار روسيا على عدم معالجة المشاكل الشركسية سيدفعهم الى اخذها الى المنابر الدولية ، وان على روسيا التفكير مليا في تقديم شيء ذو قيمة للشراكسة مثلما فعل رئيس الوزراء التركي عندما قام بتوجيه رسالة الى الارمن في ذكرى الابادة الجماعية كان لها الكثير من الاثار الايجابية فيمكن لرئيس الروسي ان يبادر بمثل هذه الخطوة اتجاه الشراكسة وذلك باستكمال ما قام به الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن عندما قام بتوجيه رسالته الشهيرة  في عام 1994 الى ضحايا المأساة الشركسية.
3.     ويتحدث الكاتب في مقاله عن تصريحات لعدد من القادة الشراكسة الذين تنطوي منظماتهم تحت مظلة الكافييد في المهجر الشركسي في تركيا كلها تعبر عن سخطهم على السياسة الروسية التي تنتهجها موسكو ازاء القضايا الشركسية وضرورة اتخاذ الشراكسة لسياسات تصعيدية رداً عليها.

       بعد نشر هذا المقال بايام وبتاريخ 24/6/2014 نشر خبر مفاده ان الجمعية الشركسية العالمية قامت بتنظيم اجتماع ضم ممثلي عن المهجر الشركسي في تركيا والاردن وسوريا وغيرها وان من بين الحضور كان رئيس منظمة الكافييد وان الاجتماع قد نتج عنه التوصل الى دعوة الفدرالية الروسية الى تمويل مشروع يقوم على محاربة المواد القومية المتطرفة على المواقع الالكترونية من خلال حجبها او غيرها من الاساليب، وبتاريخ 30/6/2014 اصدرت الكافييد  بيان اعلنت فيه انها لم تشارك باية اجتماعات مع الجمعية الشركسية العالمية وبالتالي فليس لها اية فكرة او علم عن المشروع الذي اعلنت عنه الجمعية الشركسية العالمية وهي بالتالي لا تؤيده ولم تقم بالموافقة عليه.

      وتزامن هذا الخبر مع نشر صحفية قباردينو-بلقاريا برفدا بتاريخ 4/7/2014 لبيان يتحدث عن اجتماع اخر ضم ممثلي  عن المهجر الشركسي ايضا ويرفض ويندد بقيام بعض المنظمات الشركسية بتوجيه طلب الى البرلمان الاوكراني للاعتراف بالابادة الجماعية الشركسية وان هذا التصرف لا يشكل توجه الشعب الشركسي كله، وان الجمعية الشركسية العالمية ومن معها يرفضون ادخالهم الى لعبة سياسية دولية على حد قولهم، وعلى نفس المنوال (KAFFED) اعلنت على موقعها الرسمي وبتاريخ 9/7/2014 انها لم تشارك بالاجتماع الذي تحدثت عنه صحيفة برفدا وبالتالي فهي غير معنية بما نتج عنه من قرارت، وانها مستاءة للزج باسمها بهذا الشكل، تزامن هذا البيان مع تهديد احد زعماء الكافييد السابقين بالانسحاب من الجمعية العالمية الشركسية اذا ما استمر نهج السياسات احادية الجانب من قبلها.

     التطورات التي تشهدها العلاقة ما بين الكافييد والجمعية الشركسية العالمية في غاية الاهمية وهي ليست امور عابرة  بل يمكن القول ان الشراكسة قد يكونوا على اعتاب مرحلة جديدة تعيد صياغة الفكر القومي الشركسي وترفع من مستواه ، ان تحليل الوضع الحالي قد يعطي او يحمل الترياق الذي سعى اليه الشراكسة منذ وقت طويل، والاهم من هذا كله هو حالة الذهول والصدمة التي تعرض لها صناع القرار في موسكو والتي شكلت ضربة موجعة لجهود السنوات السابقة الحثيثة والتي بذلت من اجل ايقاع الشراكسة خاصة الفئة الشابة منهم ضحية للاحباط واليأس طيلة السنوات الماضية، ناهيك عن الاهتمام الرسمي التركي الغير مسبوق بيوم الحداد الشركسي لهذه السنة والذي تمثل في رسائل التعاطف والمواساة التي أرسلت من قبل راس النظام السياسي في تركيا المتمثلة بالسيد رئيس الوزراء وباقي المؤسسات الدولة التركية سواء كانت التشريعية كالبرلمان او التنفيذية كالرئاسة الجمهورية، هذا الاهتمام يؤكد ان المجتمع الشركسي في تركيا قد تمكن من خلال اتباع سياسة قومية معينة واستغلال الظروف المحيطة به ، من اقناع الدولة التركية بضرورة الانتباه الى المأساة الشركسية وهو امر يثير الرعب بالتأكيد في الكرملين لان تركيا التي تضم اكبر مهجر للشراكسة في العالم يمكن ان تحقق اضافة متميزة في موضوع القضية الشركسية وتشكل خط مواجهة في غاية القوة والتأثير.

    تحليل بعض الاحداث والتطورات السابقة التي عصفت بالساحة الشركسية في السنوات الماضية وربطها مع سلوكيات وافكار قيادات الكافييد قد يساعد في الاجابة عن السؤال هام وهو "ما سبب تدهور العلاقة بين كافييد والجمعية الشركسية العالمية وما مدى اثره على القضية الشركسية ؟
ترتبط الاجابة عن هذا السؤال بتوضيح ما يلي:


·        اعتبرت ولسنوات طويلة الكافييد الجمعية الشركسية العالمية همزة الوصل ما بين شراكسة الوطن والمهجر لكونها منظمة معترف بها من قبل موسكو وبذات الوقت تضم الجمعيات والمنظمات الشركسية الرئيسية في المهجر والوطن وهذا ما يوفر لديها الامكانية لتحقيق مطالب وامال الشعب الشركسي حسب اعتقاد قيادات الكافييد انذاك، وتحت شعار "في الاتحاد قوة "سارت الكافييد الى جانب الجمعية الشركسية العالمية واصبحت الحجر الاساسي الداعم لها في المهجر وخاصة المجتمع الشركسي في تركيا والذي يضم اكبر عدد من الشراكسة في دول المهجر، كانت قيادات الكافييد ترى في الجمعية الشركسية العالمية المرجعية القومية لابناء الشعب الشركسي التي يجب الالتفاف حولها كونها تسعى لتطوير العلاقات ما بين روسيا الفدرالية والشراكسة باسلوب دبلوماسي ان صح التعبير بعيداً عن التصادم والمواجهة.

·        خلال تلك السنوات الطويلة تمكنت الجمعية الشركسية العالمية من كسب ثقة الكافييد وغيرها من المنظمات الشركسية في المهجر واعتمدت على سياسة تقوم على تحريف الحقائق والوقائع بما يتماشى مع سياسات الفدرالية الروسية، فعملت على تحسين صورة موسكو لدى قيادات الكافييد وغيرها من خلال حفاوة الاستقبال بهم ومعاملتهم معاملة الوفود الرسمية وتقديم اقصى درجات العناية والاهتمام بقيادات الكافييد لدى زيارتهم للقفقاس ومحاولة اظهار كافة النقاط الايجابية المتعلقة بالشراكسة في ارض الوطن وانهم يعيشون بتناغم تام وليس لهم اية مشاكل وان روسيا الفدرالية عملت على توفير كل عوامل التطور والحداثة لهم من اجل بناء مستقبل مزهر لهم، وفي ذات الوقت تقديم الشكوى من تصرفات بعض الشراكسة في المهجر والوطن ممن وقعوا تحت تاثير الاستخبارات الغربية التي تريد ان تمنع روسيا من العودة الى المنافسة على الزعامة العالمية وتريد استغلال الشراكسة  في ذلك، كانت صورة تعليم اللغة الشركسية والاحتفالات القومية الشركسية هي ما يتم اظهاره لتلك الوفود من اجل الحصول على ثقتهم بل ان المسؤولين الروس كانوا يظهروا بصورة المحتاجين للدعم الشركسي في المهجر .
·        وعلى نفس المنوال كانت التبريرات والتفسيرات للسياسات الروسية التي كان يتم اثارتها في المهجر والمتعلقة بالقضية الشركسية جاهزة، فكل القضايا والتحديات التي ظهرت في الاعوام الماضية كان يتم شرحها من خلال وجهة نظر الكرملين فقط لا غير لقيادات الكافييد سواء تلك المتعلقة بحل جمهورية الاديغية او اولمبياد سوتشي او مقتل بعض القوميين الشراكسة او تخفيض ساعات تدريس اللغة الشركسية وغيرها.
·        في عام 2010 ظهرت على السااحة الشركسية في تركيا مجموعات ما سميت "القوميين الشراكسة" وهم من الفئات الشابة هؤلاء تبنوا نهج جديد في الفكر والعمل السياسي القومي الشركسي تركز على المحاور التالية:
-     ايجاد مرجعية واحدة للعمل السياسي لهم وتمثل في جعل المنظمات القومية الشركسية في الوطن هي المرجعية الاساسية لهم وبالتالي اعتناق افكار تلك المنظمات القومية وتحديد توجهاتهم السياسية بناءاً على ذلك.
-     التأثير على الراي العام الشركسي في تركيا ومحاولة تقديم الحقائق له كما هي ودخول في مواجهة مفتوحة مع القيادات الشركسية التقليدية بحيث يتم وضع هذه القيادات تحت الضغط الشعبي من خلال مسائلتهم ومتابعة اعمالهم المتعلقة بالقضية الشركسية بشفافية وصراحة.
-     رفض ايجاد هياكل او منظمات جديدة بل السعي الى اصلاح المنظمات الشركسية الموجودة على ارض الواقع من خلال الضغط الشعبي والتأثير على الرأي العام.
-     التركيز على اعطاء القضية الشركسية الاولوية على جميع القضايا الاخرى خاصة الابخازيا(وهذا كان سبب في حرب عشواء عليهم) واعتبار المصلحة الشركسية فوق اي اعتبار مهما كان.
-     الاحتكام الى اصحاب الخبرة والمتخصصين من ابناء الشعب الشركسي في مجالات علم السياسة والقانون وحقوق الانسان وغيرها للعمل على ايجاد خطاب سياسي متكامل ذو مصداقية وموضوعية والابتعاد عن لغة العاطفة واعتماد سياسة قومية بما يتلائم مع مصلحة الشعب الشركسي.
·        السنوات الماضية حملت العديد من التحديات والقضايا التي اثرت على الساحة الشركسية وتفاعل معها الشراكسة في تركيا كانت كافييد كعادتها تستعين بتبريرات الجمعية الشركسية العالمية لتوضيح هذه المسائل ، وكان هناك نجاح كبير في ذلك الا انه في الاربع السنوات الاخيرة اصبحت الكافييد وتحت ضغط مجموعات القوميين الشراكسة مضطرة الى مواجهة الراي العام الشركسي في العديد من القضايا ، اسلوب المتابعة والضغط التي اتبعه القوميين جعل الكافييد تقع في موقف محرج في العديد من القضايا كان ابرزها تخفيض عدد المقاعد الدراسية الممنوحة للشراكسة في تركيا للدراسة في القفقاس ويمكن القول بان هذه الاجراء الروسي كان القشة التي قصمت ظهر البعير ولم تتمكن الكافييد من تبرير ذلك، كما ان الوعود الروسية المتمثلة في التأكيد على "شركسية" سوتشي خلال الالمبياد لم تنفذ موقف اخر كان محرج للكافييد.
·        يمكن القول انه ومن خلال الرجوع الى تصريحات قيادات الكافييد في مقال السيد فهيم طاشتكين المشار اليه اعلاه يلاحظ ان الضغط الشعبي جعلها تعبر عن استيائها للسلطات الروسية وذلك بسبب المواقف المحرجة التي وضعت الكافييد فيها، الا انها تفاجئت بالوجه الحقيقي للسادة في الكرملين او لنقل ان حقيقة السياسة الروسية انكشف للقيادات في الكافييد، ومرة اخرى يمكن الرجوع الى تصريحات السيد يسار اصلانكايا والذي اشار بوضوح تام الى عدم قبول موسكو لاي انتقادات او حتى استعدادها لقبول اية استياءات من قبلهم وتحولها الى لغة التهديد والوعيد والتطاول على الشراكسة كما ذكر في المقال اعلاه.
·        اختارت الكافييد ان تستمع للمجموعات القومية والتي على ما يبدو كانت تنتظر ان تفتح الكافييد باب الحوار وبعد ان جلس الطرفين الى طاولة واحدة توصلوا الى صيغة معينة للعمل السياسي الشركسي والذي يمكن القول بانه اسفر عن تقديم السفير الروسي لـ"غصن الزيتون" لقيادات الكافييد لكن بعد فوات الاوان.
·        موسكو ارادت  تقييم حجم الضرر التي الحق بمجهودات الاعوام الماضية في روسنة الشراكسة في المهجر فقامت بافتعال تصريحات وبيانات الجمعية الشركسية العالمية المتعلقة بالانترنت والاعتراف الاوكراني وغيرها مما ذكر اعلاه، وفوجئت برد الكافييد القوي .
استنادا الى ما سبق يمكن القول ان التحول والتغير في سياسة الكافييد هو امر في غاية الاهمية وان احسن الشراكسة استغلاله فانهم سيتمكنوا من تشكيل ضغط واضح على السياسة الروسية لمراجعة حساباتها، ولكن لا بد من الاخذ في عين الاعتبار القدرة التي اظهرتها موسكو في احتواء الاندفاعات الشركسية والسيطرة عليها خلال الاعوام الماضية تجعل من المبكر القول بان الشراكسة قد اعلنوا عن ثورة سياسية فكرية قومية جديدة في التعامل مع روسيا الفدرالية.
الامر الهام هنا هو ما فعله القوميين الشراكسة في التأثير على الراي العام الشركسي هذه التجربة الفريدة من نوعها ان جاز التعبير لا بد من الوقوف عندها ومحاولة دراستها ولو بشكل مختصر والعمل على تعميمها على كامل المهجر الشركسي ، فلو عدنا الى المحاور السياسية للقوميين الشراكسة فانه سيلاحظ بانها قد قدمت حلول لمشاكل شركسية طال البحث عن حل لها ، فيمكن ملاحظة ما يلي:
-       فيما يتعلق باعتناق مرجعية واحدة تتمثل في المنظمات القومية الشركسية في الوطن فقد سمحت هذه السياسة بالتصدي الى احد اكبر التهديدات التي كانت تحدق بالشعب الشركسي الا وهي الفوضي والتنظير الفلسفي التي اجتاحت الساحة الشركسية في المهجر بحيث اصبح كل فرد شركسي تحت شعار تعدد وجهات النظر قائد وفيلسوف ومنظر ادى هذا الى تشتت وضياع الفكر الشركسي وانحداره الى مستوى وضيع نتيجة الغوغائية التي تربعت على المشهد الشركسي بل ان الخوف كان في الفترة الاخيرة كما يقال ان تصبح حتى "الخيانة وجهة نظر"، تعدد الاراء ووجهات النظر هذا لم يكسب الشراكسة سوى الفرقة وكثرة الانشقاقات في الصف الشركسي وبدل الاستماع الى بعضهم البعض لايجاد سياسة توافقية بين كافة الشراكسة لتصدي للتحديات اصبح الشراكسة في حالة من الصراع الداخلي تقوم اركانه على المؤامرة والتخوين بل ان وضاعة الفكر الشركسي سمحت للاخرين من غير الشراكسة بالدخول الى الساحة الشركسية والتحدث بكل وقاحة عن قضايا مصيرية للشعب الشركسي دون ابداء اي من علامات الخجل ،ان اعتماد توجهات المنظمات الشركسية القومية مثل الكونغرس القبرديني والشركسي وغيرها سمح بوقف النزيف الفكري للشعب الشركسي بحيث لم يعد هناك داعي لمناقشة ماذا يريد الشراكسة اصبحت اهداف وغايات تلك المنظمات القومية امور مسلمة وبالتالي لا داعي للنقاش ، وتمكن الشراكسة في تركيا من تجاوز عقدة الزعامة لدى الشراكسة فاصبح الجميع متفق على السير على خطى المنظمات القومية الشركسية واعتبار افكارها السياسية المرشد والنبراس الذي يجب العمل من اجل تحقيقه، ويلاحظ هنا ان ايجاد المرجعية هنا سمح بتحقيق الوحدة الفكرية لدى الشراكسة في المقام الاول واعطى للاعمالهم ولاول مرة الصفة الشرعية في القام الثاني، حيث كانت موسكو دوماً تعتبر الاشخاص الذين يتظاهرون او يعترضون على سياساتها في المهجر الشركسي مواطنين اجانب فهم يحملون جنسيات مختلفة وبالتالي فان تصرفاتهم تدخل ضمن نطاق التدخل الخارجي المدعوم من قبل اجهزة الاستخبارات الغربية في الشأن الداخلي الروسي هكذا كان الرد الروسي في المنابر الدولية، ولكن وبعد ان اصبح الشراكسة في تركيا يمثلون امتداد لمطالب المنظمات القومية الشركسية في القفقاس والتي هي منظمات مسجلة في النظام الروسي اصبح الامر مختلف واصبحوا اشخاص لهم اصول شركسية يدعمون اخوانهم في داخل الفدرالية الروسية تماما كما تفعل روسيا في دعمها لابنائها من العرقية السلافية في دول مستقلة اخرى مثل اوكرانيا ومولدافيا ودول البلطيق وغيرها.
-        بالنسبة الى التأثير على الراي العام الشركسي فهنا الترياق الذي طال انتظاره ويمكن القول ان اتباع اسلوب المتابعة والضغط على قيادات الكافييد سمح بايجاد ولاول مرة في التاريخ شراكسة المهجر حالة من العمل الرقابي على اعمال المنظمات الشركسية بحيث لم يعد يستطيع اي وفد الذهاب الى القفقاس والعودة دون ان يتم متابعته من خلال وسائل الاعلام المتاحة هناك ، واصبح هناك اسئلة كثيرة تتعلق بالوعود الروسية السابقة في السنوات الماضية هذه المتابعة الاعلامية سمحت باظهار الحقائق امام الراي العام الشركسي في تركيا واصبحت قيادة الكافييد عرضة للانتقادات من قبل الضغط الشعبي هناك وبالتالي اصبحت مجبرة على تغيير سياساتها بما يتوافق مع المطالب والمصالح الشركسية ولم تعد الزيارت الخفية والمفاجئة والمباركات(كما حدث وقت اولمبياد سوتشي) مسموح بها،  ويسجل للشراكسة في تركيا انهم لم يحاولوا ايجاد هياكل تنظيمية جديدة كما كان معتاد في السابق بل فضلوا الدخول في مواجهة مفتوحة مع كبارهم وقادتهم فاما ان ينجحوا في اقناع الراي العام الشركسي بتوجهاتهم واما ان يقوموا بتغييرها، ولهذا فانهم تحلوا بالشجاعة والجرأة للوقوف بصورة متحضرة  وايجابية امام الكافييد وعملوا على الـتأثير على صانع القرار فيها بالجلوس المباشر معه وامام الراي العام الشركسي ومناقشته بكل شفافية وصراحة مما حقق لهم زخم شعبي كبير وسمح لهم بشرح وجهة نظرهم بشرط ان تؤخذ بعين الاعتبار وليس كما كان يحدث سابقاً .
-        اما بخصوص اعطاء القضية الشركسية الاولوية وعدم السماح بربطها بقضايا اخرى مثل القضية الابخازيا فهذا الامر كان الامتحان او المواجهة الصعبة التي لا يزال على القوميين الفوز بها، العديد من القيادات الشركسية ذوي الاصول الابخازية في المهجر التركي كانوا يهاجمون القوميين الشراكسة مستعملين نفس ادوات السياسة الروسية وهو الامر الذي يثير هنا تساؤل حول مدى ارتباط او اختراق السلطات الروسية لهؤلاء ، الاسطوانة الروسية ذاتها تم تردديها اي شركسي لا يضع ابخازيا في المقام الاول من الاولويات فهو عميل للاستخبارات الجورجية المدعومة من المخابرات الامريكية ، لهذا كان لا بد من ايجاد رؤية جديدة لهذا الموضوع للخروج من نظرية المؤامرة التي اصبح كل تحرك شركسي ينتقد الروس يعني التعامل والتخابر مع المخابرات الجورجية ، ناهيك عن خطف اليوم الشركسي في البرلمان الاوروبي من قبلهم وتحويله الى اليوم الابخازي وهذا الامر شكل ضربة موجعة للجهود الشركسية لشرح قضيتهم امام المجتمع الاوروبي .
-        ويلاحظ ان الخطاب الشركسي في تركيا قد بدأ يبتعد عن العاطفة واصبح اكثر نضوجا وموضوعية ويمكن ملاحظة ذلك من خلال ذكر قادة الكافييد للعديد من النقاط التي تعتبر من المخزون السياسي الاستراتيجي للشراكسة مثل الاشارة الى رسالة الرئيس بوريس يلتسين في العام 1994 والتي تتضمن اشارة واضحة واعتراف بوقوع مأساة للشراكسة نتيجة الحروب الروسية وهذا الامر تحاول موسكو دوماً تجنبه والتغطية عليه خوفاً من لفت الانظار اليه بل ويعتبره العديد من السياسيين الروس حمل ثقيل على كاهل روسيا الفدرالية تسبب به الرئيس السابق يلتسين، والاهم من ذلك الاشارات الذكية الى الاتفاقية الموقعة بين الجمهوريات الشركسية والفدرالية والروسية وانتهاك موسكو لهذه الاتفاقيات وهو ما يعتبر مخالفة دستورية حقيقة، هذه الامور تعطي الشراكسة هامش كبير للمناورة والتحرك في داخل الفضاء الروسي وبكل قوة، يتصل بذلك اعترافات البرلمانات الشركسية بالابادة الجماعية الشركسية في التسعينيات وما يترتب على روسيا الفدرالية نتيجة ذلك من التزامات كون تلك البرلمانات هي جزء من المنظومة السياسية التشريعية للفدرالية الروسية وبالتالي ما يصدر عنها من قرارات لا بد ان يكون له تأثيرات على القرار الروسي، هذه المواضيع والتحركات السياسية وغيرها كان الشراكسة ولسنوات طويلة غافلين عنها خاصة في المهجر والسبب في ذلك عدم وجود خبرات شركسية متخصصة في العلوم السياسية والقانون الدولي وحقوق الانسان وغيرها من الحقول التي تمس القضية الشركسية، حتى النشطاء الشراكسة ذوي التوجه القومي كانوا ولغاية الان يعانون من عدم وجود اي رؤية سياسية لهم ويمكن وصفهم بـ"الهواة" في السياسة وهو الامر الذي كان يجعل مستوى الاداء السياسي الشركسي في المهجر يوصف بانه ثابت او ينحدر في ظل قدرة الكرملين على احتواء واستيعاب الاداء السياسي الشركسي الثابت الذي يفتقر للموضوعية والحرفية وعدم وجود رؤية بعيدة المدى للسياسات المتبعة نظام الفزعة وحب اظهار الذات والعاطفة كان هو المميز للخطاب الشركسي في المهجر ولكن ومع استعانة القوميين الشراكسة بعدد من الكوادر الشركسية اصحاب الدرجات العلمية في مجالات السياسة والقانون الدولي فقط لا غير اعطاهم منطلقاً جديداً ، فقد ادرك الشراكسة انه وفي المحافل الدولية يتم الاهتمام براي الانسان الشركسي المختص في الشؤون السياسية والقانونية ويتم اهمال وجهات النظر للاشخاص الشراكسة الاخرين حتى وان كانوا يحملون الدكتوراة في علم الذرة النووية كونهم ليسوا مختصين في هذه المجالات (اي وضع الرجل المناسب في المكان المناسب)لقد ادى هذا الامر الى رفع مستوى الخطاب السياسي لهم كما هو مشار اليه اعلاه وبدأت  تتكون فكرة واضحة حول كيفية تطوير الاداء السياسي الشركسي بالشكل الذي يقلق صانع القرار الروسي.
خلاصة الموضوع ان التجربة الشركسية في المهجر التركي ان حالفها الحظ ونجحت فلا بد من تعميمها على بقية الشراكسة في المهجر، مع ضرورة عدم الاستماع الى الاراء المدعومة من قبل موسكو والتي ترى ان كل مجتمع شركسي لديه خصوصية معينة قد تختلف المجتمعات الشركسية في التفاصيل ولكنهم يلتقون دوما في الخطوط العريضة لمشاكلهم ومعاناتهم لذا فان الدروس التي يجب تعلمها من التجربة الشركسية في تركيا ومحاولة تطويرها هي ما يلي:
1)    على النشطاء الشراكسة اصحاب التوجه القومي في المهجر ان يتحلوا بالشجاعة والجرأة ويواجهوا القيادات التقليدية ودعوتهم الى الجلوس الى طاولة واحدة لايجاد صيغة عمل مشترك وامام الراي العام الشركسي ، ذلك افضل من التخوين والاتهام بالعمالة وايجاد منظمات وحركات جديدة ، اي ان على الشراكسة ان يعالجوا مشاكلهم الداخلية قبل ان يقفوا امام ابواب السفارات، فلا يعقل ان يتظاهر الشراكسة رفضاً لاولمبياد سوتشي بينما يقوم رؤساء جمعيات تعتبر ممثلة للشراكسة بشكل رسمي لدى دول العالم بمباركة هذه الاولمبياد، هذه التناقض في الحالة الشركسية يضعف من قوة الحجة والموقف الشركسي في المحافل الدولية ويعطي السياسة الروسية تفوقاً عليها ويظهر الشراكسة بانهم في حالة صراع داخلي بينهم نتيجة التدخلات الخارجية وهم ليسوا اصحاب القرار في مصيرهم او مستقبلهم لعدم وجود مرجعية سياسية تمثلهم.
2)    يجب وقف حالة الفوضى والتنظير التي تقوم بتدمير الساحة الشركسية وتؤدي الى السقوط في غياهب التخلف والاحباط نتيجة الخلافات في وجهات النظر واعتبارها امر صحي ويجب التذكر انه وفي الادبيات السياسية فان الغوغائية التي تؤدي الى شق الصف وتظهر ابناء الشعب كلهم بصورة الفلاسفة والمختصين هي الخطر الاول الذي يهدد اي فكر سياسي والحل هنا بايجاد مرجعية فكرية واحدة تماما كما فعل الشراكسة في تركيا.
ان الفترة الحالية تتسم بالايجابية لانها تحمل العديد من المتغييرات الايجابية للشراكسة في السنوات الماضية كان الجدال الفلسفي احد الاسلحة المستخدمة في ترسانة روسيا السياسية فمثلا موضوع العودة الى الوطن كان يتم استخدامها بصورة سلبية فيكفي ان يشير احد الى القضية الشركسية او موضوع العودة حتى تقوم عاصفة الانتقادات التي تتهم الشراكسة بانهم لم يقوموا بالعودة وان عليهم التضحية من اجل ذلك وتحمل شروط الحصول على الجنسية الروسية من اجل وطنهم لو كانوا صادقين في ذلك من قبل اصدقاء الكرملين من الشراكسة، ولكن اليوم وبعد وقوع مأساة الشراكسة في سوريا اصبح الوضع مختلف واصبحت الاجابات مختلفة فالشراكسة يعودون ومستعدين لتحمل الشروط الروسية من اجل الحصول على الجنسية ولكن خلال ثلاث سنوات تسمح موسكو بعودة 1500 شركسي من سوريا نصفهم مهدد بالترحيل في اي لحظة وعلى اراضي الثلاث جمهوريات بينما يعلن في شهر تموز عن حالة الطوارئ في جمهورية الاديغية بعد استقبال 1400 مواطن اوكراني من اصل سلافي في اراضي الجمهورية وكان روسيا مترامية الاطراف لا يوجد فيها مكان لاستضافة هؤلاء سوى الاديغية، لقد انكشفت اكذوبة اصدقاء الكرملين روسيا الفدرالية تتبع الاساليب البيرقراطية القذرة لحرمان الشراكسة الراغبين في العودة الى ارض وطنهم من ذلك بل تقوم بتكريس الواقع الديمغرافي بتكديس اعداد ابناء العرقية الروسية، اي ان روسيا تخاف من الشراكسة ومن عودتهم تخشى ان يعودا الى ارض وطنهم اذا القضية هي سياسية وليست كما كان يروج سابقا تتعلق بعدم رغبة الشراكسة في التضحية.
اجمل ما في الفترة الحالية انها اكدت على انه لا بد للشراكسة ان يكون لهم قضية وان يشاركوا فيها فالمهجر الشركسي ليس ذلك المكان الذي يعيش فيه الشراكسة بهناء ، وتكفي الاشارة هنا الى تصريح فخامة الرئيس اصلان تحاكوشنة رئيس جمهورية الاديغية  اثناء زيارته وبرفقة الرئيس الروسي لعمان الاردن عام 2007 حيث قال حرفياً " الشتات قاسي ولذلك فان الشراكسة هناك مجروحين" وهذا التصريح لم تسلط الاضواء طبعاً عليه في ظل حالة الفوضى واتعدام الافق السياسي ، فهو يثير العديد من علامات الاستفهام فما الذي يجعل شخصية مثل فخامة الرئيس تحاكوشنة المعروف بانه رجل سياسي بامتياز وانه رئيس جمهورية الاديغية الوحيد الذي لا يشارك عادة في المناسبات القومية الشركسية لانه يعتبر نفسه جزءاً من مشروع الكرملين المستقبلي للقفقاس بتصريح مثل هذا في احد اكثر المهاجر ترويجياً له بانه جنة للشراكسة فهو ادلى بهذا التصريح وهو محاط بحرس القصور الشركسي والوجهاء والشخصيات الشركسية التي لا يمكن لها ان تخبره حتى ولو في السر بان الشتات قاسي ونحن مجروحين، ولكن ما لمسه في عيون الشباب وبعض الشخصيات الشركسية قاده الى الحقيقة التي يرفض العديد من الشراكسة الاعتراف بها الا وهي قد حان الوقت للتفكير ولو بشكل بسيط بالعودة وايجاد سبل لانجاحها، قد يكون هذا السبب في تشكيل منظمة شركسية جديدة تعنى بشؤون العودة فقط في الوطن والمهجر والاعلان عنها في شهر تموز الماضي من العام 2014بعد الطوفان السلافي البشري الذي اغرق الاراضي الشركسية في القفقاس وايقاف عمل العديد من المنظمات الشركسية المختصة بالعودة مثل منظمة "بيرت" في نالتشيك التي اصبحت تشكل بين يوم وليلة خطراً على الامن القومي الروسي، علماً بان هناك مناطق واسعة من روسيا تعاني من انخفاض عدد المواليد مقارنة مع عدد الوفيات مناطق شاسعة ومدن كبيرة في روسيا اصبحت مهددة أن تصبح مهجورة تماما، وخاصة المناطق الشمالية في سيبيريا والمناطق الشرقية، هذه المناطق تتمتع بثروات طبيعية هائلة وتوجد فيها حقول النفط الغنية ومناجم المعادن وهي بالتأكيد اولى باللاجئين الروس، وحتى في القفقاس اوستيا الجنوبية وابخازيا بالتاكيد ستكون مناطق مناسبة لهؤلاء العائدين الروس بل ستوفر لروسيا الحجة لحماية ابخازيا واوسيتيا الجنوبية من اي تهديد جورجي مستقبلاً، ولكن الشراكسة هم الذين يرعبون الروس ويقلقون سادة الكرملين فقط لا غيرهم.
     بالطبع مشروع مكافحة المواد القومية المتطرفة الذي تسعى الجمعية الشركسية العالمية الى تنفيذه قد بدأت بشائره تظهر بتاريخ 25/7/2014 تعرض موقع نات برس الشركسي للاختراق وتم حجبه عن الانترنت من قبل مجهولين بعد سحب جميع المواد والوثائق التي كان يتضمنها، وبذات التاريخ تم نشر خبر على المواقع الالكترونية يتضمن تصريحات للسيد رئيس الجمعية الشركسية العالمية والذي يشير فيها الى ضرورة صون وتنمية التراث الثقافي والروحي للشعب الشركسي، وتعزيز السلام والوئام بين الأعراق، وقيام الشراكسة في المهجر من خلال استخدام قدراتهم الثقافية والفكرية والاقتصادية بدعم السياسات الروسية في المحافل الدولية ، اي ان يكون شراكسة في المهجر ابواق اعلامية للسياسات الروسية وان يستخدموا ثقلهم السياسي في دول المهجر لذلك، وان روسيا الفدرالية تعمل حاليا على توطين الف شركسي عادوا من الجمهورية العربية السورية ولهذا لا بد من مساعدتها على ذلك،  وهذه على ما يبدو هي رسالة موسكو الى الشراكسة في المهجر وبالتحديد الرد على سياسة الكافييد الجديدة، وهي ابتزاز بكل ما في الكلمة من معنى ولا تغيير على السياسات السابقة ، على الشراكسة ان يقوموا بالخطوات الاولى وان يأملوا خيراً في الوعود الروسية في المستقبل لحل مشاكلهم والتي لا ترتبط بجدول زمني معين ولكن الجديد هو ان روسيا الفدرالية قررت انه على الجميع العمل لخدمتها والا سيتم طرد من عاد من الشراكسة، فهم العنصر الغريب على ارض القفقاس وهم من يجب محاربة عودتهم .
     الموقف الروسي هذا يتزامن مع احتمالية اعتراف البرلمان الاوكراني بالابادة الجماعية التي تعرض لها الشراكسة على يد الدولة الروسية القيصرية وهو الثاني خلال اقل من اربع سنوات بعد الاعتراف الجورجي بذلك عام 2011، الكرملين يعلم تماما ان اعتراف ثاني سيعني زيادة الرصيد الشركسي في المحافل الدولية وبالتالي تشجيع الشراكسة على زيادة المقاومة ورفع مستوى كفاحهم ونضالهم السياسي لتحقيق مطالبهم، خاصة وان المجهود الروسي خلال السنوات الماضية للسيطرة على المهجر الشركسي ونشر روح الانهزام والاحباط واليأس بعد انتصارها في تنفيذ اولمبياد سوتشي ذهب ادراج الرياح بعد خروج الكافييد المبدئي من مظلة الجمعية الشركسية العالمية، بل ان الروس كانوا قد اصبحوا يعتبرون الشراكسة مثال للفشل مثلما صرح فلاديسلاف غوليفيتش  وهو محلل في مركز جامعة موسكو التّابعة للدّولة للبحوث المحافظة  في تعليقه على تحرك تتار القرم للمطالبة بحقوقهم التاريخية والسياسية في شبه جزيرة القرم، عندما قال "أن حركة تتار القرم، مثل الحركة الشركسية في القوقاز، والّتي كانت مشروعاً "فاشلاً” موجهاً ضد روسيا من قبل الحكومات الغربية" وهذا التصريح يدل على مدى مستوى التبجح الذي وصل اليه الساسة الروس بعد انتهاء اولمبياد سوتشي الا ان الشراكسة تمكنوا مرة اخرى من قلب المعايير من خلال التحول القومي في سياسة الكافييد والحصول على الاهتمام التركي الرسمي بقضيتهم بصورة مباشرة (وان كانت ما زالت في بدايتها الا انها تبشر بالخير) والتوجه نحو الحصول على الاعتراف الاوكراني بالابادة الجماعية الشركسية، هذه الامور ردت الاعتبار الشركسي واكدت ان على الشراكسة ان لا يستخفوا بانفسهم لانهم هم نقطة الضعف في الخاصرة الروسية التي تريد روسيا القضاء عليها بالقوة بدلاً من الجلوس والتحدث عنها بعقلانية وموضوعية على الرغم من الشراكسة ولغاية الان اذاقوا الروس طعم المرارة بالتحركات السياسية دون اللجوء الى اية اساليب اخرى، ولكن ما تزال موسكو لا تريد استيعاب المطالب الشركسية واحتواءها بالطرق السلمية هي تريد الصراع لانها على ما يبدو تحصل على معلومات وتصورات خاطئة من قبل الشراكسة من اصدقاء الكرملين ، وعليها اليوم قبل غداً ان تحاول النظر الى ما هو ابعد من الجمعية العالمية الشركسية ونظرائها في المهجر وان تعمل على فتح قنوات اتصال للحوار بدلاً من ان تجد نفسها بوجه شعب لم تستطع 150 عاماً من القتل والتهجير ان تقضي على ارادته وصموده وتحديه، وبالتأكيد فان الايام القادمة ستشهد بطولات مستمرة من قبل اصدقاء الكرملين من الشراكسة، لتشويه الاعتراف الوكراني ان حصل تماما مثلما حصل مع الاعتراف الجورجي وهنا يطول الحديث ولا مجال لذكره، ولكن الاجابة المقنعة عن اهمية هذا الاعتراف جاهزة وستكشف حقيقة من يظن ان الشراكسة اغبياء.
   ولكن لا بد من الاشارة الى ان موسكو قادرة على تدارك الوضع واعادة الكافييد الى الحظيرة الروسية ولذلك يبقى امل الشراكسة من القوميين ان يستمر الضغط الشعبي الشركسي في تركيا على قياداتها  فالرد الروسي من خلال الجمعية العالمية الشركسية الذي ظهر خلال الاسابيع الماضية يظهر ان الشراكسة وحدهم لا غيرهم  هم الرقم الصعب في المعادلة الداخلية الروسية هم نقطة الضعف التي يؤمل ان لا تظهر امام الاخرين ، ان الرسالة العقائدية والفلسفية هنا ان الشراكسة قد اختاروا وصية الاسد لابنه واعطوا وصية الخروف لابنه الى اصدقاء الكرملين من الشراكسة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وصية الاسد لابنه: (لمن اراد المعرفة)
العز غايتنا نعيش لكي نسود 
و عريننا في الأرض معروف الحدود 
فاحم العرين و صنه عن عبث القرود
أظفارنا للمجد قد خُلقت فدى 
و نيوبنا سُنَّت بأجساد العدى 
و زئيرنا في الأرض مرهوب الصدى 
نعلي على جثث الأعادي السؤددا 
هذا العرين حمته آساد الشرى 
و على جوانب عزه دمهم جرى 
من جار من أعدائنا و تكبرا 
سقنا إليه من الضراغم محشرا 
إياك أن ترضى الونى أو تستكينْ 
أو أن تهون لمعتدٍ يطأ العرين 
أرسل زئيرك و ابق مرفوع الجبين 
و الثم جروحك صامتاً و انس الأنين 
مزق خصومك بالأظافر لا الخطابْ 
فإذا فقدت الظفر مزقهم بناب 
و إذا دعيت إلى السلام مع الذئاب 
فارفض فما طعم الحياة بلا ضراب 
اجعل عرينك فوق أطراف الجبالْ 
ودع السهول ... يجوب في السهل الغزال 
لا ترتضي موتاً بغير ذرى النصال 
نحن الليوث قبورنا ساح القتال 
ولدي إ! ذا ما بالسلاسل كبلوكْ 
و رموك في قعر السجون وعذبوك 
و براية الأجداد يوماً كفنوك 
فغداً سينشرها و يرفعها بنوك 
إياك أن ترعى الكلا مثل الخرافْ 
أو أن تعيش منعَّماً بين الضعاف 
كن دائماً حراً أبياً لا يخاف 
و خض العباب و دع لمن جبنوا الضفاف 
هذي بنيَّ مبادئ الآسادِ 
هي في يديك أمانة الأجداد 
جاهد بها في العالمين و نادي 
إن الجهاد ضريبة الأسياد
وصية الخروف لابنه:
ولدي إليك وصيتي عهد الجدودْ 
الخوف مذهبنا نخاف بلا حدود 
نرتاح للإذلال في كنف القيود 
و نعاف أن نحيا كما تحيا الأسود 
كن دائماً بين الخراف مع الجميعْ 
طأطيء و سر في درب ذلتك الوضيع 
أطع الذئاب يعيش منا من يطيع 
إياك يا ولدي مفارقة القطـيع 
لا ترفع الأصوات في وجه الطغاة 
لا تحك يا ولدي و لو كموا الشفاه 
لا تحك حتى لو مشوا فوق الجباه 
لا تحك يا ولدي فذا قدر الشياه 
لا تستم! ع ولدي لقول الطائشينْ 
القائلين بأنهم أسد العرين 
الثائرين على ق يود الظالمين 
دعهم بني و لا تكن في الهالكين 
نحن الخراف فلا تشتتك الظنونْ 
نحيا و هم حياتنا ملءُ البطون 
دع عزة الأحرار دع ذاك الجنون 
إن الخراف نعيمها ذل و هون 
ولدي إذا ما داس إخوتك الذئابْ 
فاهرب بنفسك و انجُ من ظفر و ناب 
و إذا سمعت الشتم منهم والسباب 
فاصبر فإن الصبر أجر و ثواب 
إن أنت أتقنت الهروب من النزالْ 
تحيا خروفاً سالماً في كل حال 
تحيا سليماً من سؤال و اعتقال 
من غضبة السلطان من قيل و قال 
كن بالحكيم و لا تكن بالأحمقِ 
نافق بني مع الورى و تملق 
و إذا جُرِّرت إلى احتفال صفق 
و إذا رأيت الناس تنهق فانهق 
انظر تر الخرفان تحيا في هناءْ 
لا ذل يؤذيها و لا عيش الإماء 
تمشي و يعلو كلما مشت الغثاء 
تمشي و يحدوها إلى الذبح الحداء 
ما العز ما هذا الكلام الأجوفُ 
من قال أن الذل أمر مقرف 
إن الخروف يعيش لا يتأفف 
ما دام يُسقى في الحياة و يُعلف


ملاحظة المدونة : هذه المقالة للباحث في الشأن الشركسي علي محمد كشت صاحب رسالة الماجستير في العلوم السياسية بعنوان الصراع الداخلي في منطقة شمال القفقاس الشركسية دراسة وتحليل (1991-2007) وهي لاتعبر بالضرورة عن رأي المدونة.



هناك تعليق واحد:

Haitham Jafar يقول...

thanks for sharing this

what I liked the most, probably, about this read was

قد بدأ يبتعد عن العاطفة واصبح اكثر نضوجا وموضوعية

I hope this continues!