26‏/07‏/2008

الأبخاز


الأبخاز قوم من سكان القفقاس الغربي وفرع من المجموعة الشركسية المكونة من الأديغَة والأبخاز والأُوبيخ المعدودين من أقدم أقوام القفقاس الأصليين من السلالة الايبيرية – القفقاسية التي تضم الشركس والكُرْج. ويدعو الأبخاز أنفسهم أَبْسْوَا Aps-waa، وكان المسعودي أول من ميز الأبخاز من غيرهم، كالكرج الذين حكمتهم سلالة أبخازية، على أنهم «أمة تلي بلاد الّلان يقال لها الأبخاز منقادة إلى دين النصرانية».
تقع مواطن الأبخاز على
الساحل الشرقي الأوسط للبحر الأسود بين نهري بْظِب وإينغور من جهة البحر وجبال القفقاس من جهة أخرى. وتحيط بها من الشمال والشمال الشرقي مواطن الأوبيخ والأديغة، ومن الجنوب والشرق مواطن المنْغرليين والكرج والسْفان. وهي بلاد جبلية – تلَّية ترقى قممها إلى أعلى من 4000م (قمة دومباي – أولغن 4046) مع شريط سهلي ساحلي ضيق متقطع، وتكثر فيها الأنهار وتغطي مرتفعاتها الغابات (50٪) وباقي أرضها البساتين والمزارع. أما مناخها فمعتدل فوق مداري بحري يجعلها من أنشط منتجعات سواحل البحر الأسود وأجملها.
يتميز الأبخاز من فروع الشركس الأخرى بموقعهم الجغرافي المتطرف المجاور للكرج، ويحجبهم عن بقية أقوام الشركس تلك النهاية الشمالية الغربية القائمة لجبال القفقاس، مما أدى إلى اختلاف لغتهم عن الشركسية الأم. مع أن اللغة الأبخازية هي فرع من المجموعة اللغوية المعروفة باللغة الأديغية – الأبخازية، وتشترك فروعها الثلاثة (الأديغية والأبخازية والأُوبيخية) بنحو 2200 كلمة أساسية. وفيما عدا ذلك فإن المجتمع الأبخازي لايختلف عن بقية الشركس فالعادات والتقاليد و الفنون والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وغيرها واحدة عند الأبخاز والاديغة والأوبيخ.

ويتفرع الأبخاز إلى أكثر من عشر قبائل تضم نحو خمس وعشرين فرقة أو بطناً، أشهرها قبيلة الأبازة (الأباظة) التي يتكلم أبناؤها لهجة أبخازية إلى جانب اللغة الأديغية التي تبناها الأبازة منذ القرن الخامس عشر عندما اجتازوا جبال القفقاس ليعيشوا مع قبائل الاديغة في الشمال. ويفسر هذا الواقع ترادف تسميتي الأبخاز والأبازة وعدم تمييزهم من الاديغة وبقية الشركس في البلدان العربية الإسلامية التي استوطنوها بعد أن احتلت روسية أراضيهم وهجّرتهم منها. وهناك عدد من المفكرين والفنانين والعسكريين وغيرهم من الأباظة المعروفين في كل من
تركية ومصر وسورية.

عاش الأبخاز بلا حدود تفصلهم عن جيرانهم، وتاريخهم هو تاريخ الشركس خاصة وأقوام القفقاس الغربي والشمالي عامة. لكن علاقاتهم مع أقوام ما وراء القفقاس (الجنوبي) كانت أوثق من علاقات الشركس مع تلك الأقوام ومنهم الكرج، وبالتالي تأثر تاريخ الأبخاز بهذا الوضع المتميز.

يرجع استيطان أبخازية إلى العصر الحجري القديم، وإلى عهد حضارة الكوبان (نسبة إلى
نهر الكوبان المعروف بنهر بْشِيز) البرونزية التي شملت جميع أنحاء القفقاس الغربي والأوسط، وكذلك في زمن حضارة الكولخيد التي عاصرت حضارة الكوبان وقامت جنوبها. ولقد جاء اليونان على ذكرهم في الألف الأول قبل الميلاد ضمن قائمة القبائل الشركسية القديمة وتفرعاتها، حيث أقام اليونان مراكز تجارية لهم على سواحل شركسية ومن ضمنها أبخازية وقرب عاصمتها الحالية صوخوم (صوخومي). كذلك وصلها الرومان وكان لهم حصن في موقع بيتْسُونْدَه أحد موانئ أبخازية، أقامت فيه حامية عسكرية سنة 165 للميلاد، وقد جعلوا من المنطقة منفى للمبعدين. ومع أن الأبخاز كانوا يتبعون مملكة جورجيا الغربية (لازيكة) اسمياً، فقد ظلوا مستقلين طوال القرنين الثالث والرابع. وأعقب ذلك احتلال بيزنطة بلادهم عام 624م. وكانت النصرانية قد انتشرت بينهم مع وصول المؤثرات البيزنطية في القرنين السادس والسابع. وبعد مدة قصيرة (705-711م) من النفوذ الفارسي وصل العرب المسلمون إلى ما وراء القفقاس، وامتد تأثيرهم إلى أبخازية منذ 737م. لكن حاكمها ليون الثاني حافظ على استقلاله وتمكن من بسط نفوذ الأبخاز على غربي جورجيا وجوارها بين عامي 786-985م.

ثم سيطر الجورجيون (الكرج) بعدها على أبخازية إلى أن استقلت عنهم عام 1239م، وفي هذه الحقبة أخذ نشاط التجار الجنويين يتسع على سواحل شركسية وأبخازية حتى القرن الخامس عشر حين بدأ وصول التأثير العثماني وانتشار الإسلام بين الأبخاز. وقد بقي نفوذ العثمانيين في بلاد الشركس جلياً حتى القرنين السابع عشر والثامن عشر. وعندما حاول حاكم أبخازية قِلش بك شيرفا شيدزه التخلص من النفوذ العثماني بالاتصال بالروس وطلب مساعدتهم سنة 1808م اشترطوا إلحاق بلاده بروسية، لكنه دفع حياته ثمناً لهذا الاتفاق، إذ قتله الأبخاز وأدى ذلك إلى دخول القوات الروسية أبخازية واحتلالها عام 1810م وغدت أبخازية جزءاً من أراضي روسية ومستعمراتها، فاضطر نحو 40٪ من الأبخاز إلى مغادرة مواطنهم واللجوء إلى بلدان السلطنة العثمانية ولاسيما بعد أن احتل الروس عموم القفقاس عام 1864. ويقدر عدد الأبخاز الموجودين في
تركية اليوم بنحو 37.000 نسمة وهناك بضعة آلاف منهم في سورية والأرن.

ومع قيام الثورة البلشفية اتحد الأبخاز مع أقوام القفقاس الشمالي وألفوا «جمهورية القفقاس الشمالي» في 11 أيار 1918. وعاشت هذه الجمهورية حتى قضى عليها الجيش الأحمر (1921). ومن ثم أقامت السلطات
الشيوعية جمهورية جورجيا الاتحادية التي ضمت جمهورية أبخازية المستقلة ذاتياً.كان للأبخاز جمهورية ذات استقلال ذاتي تتبع جمهورية جورجية الاتحادية في الاتحاد السوفييتي السابق. مساحتها 8700كم2، وسكانها من الأبخاز نحو 95.000 نسمة أي ما يعادل سدس السكان وأغلبهم من الكرج (235000 نسمة) والروس (85000 نسمة) والأرمن (80000 نسمة). كان الأبخاز يؤلفون العنصر الغالب فيها حتى عام 1931، سنة تحولهاإلى جمهورية مستقلة ذاتياً تابعة لجورجية، وهناك نحو 30.000 أبخازي (أبازي) يعيشون بين الأديغة في القفقاس الشمالي. وقد أثر هذا الأمر على الوضع الحالي في أبخازية إذ راح الجورجيون المتطرفون إلى إلغاء الحكم الذاتي لأبخازية عام 1990، إثر المظاهرات والاصطدامات التي طالب فيها الأبخاز بالاستقلال التام عام 1989 وسقط فيها عدد من القتلى والجرحى واستمر الصراع الأبخازي الجورجي حتى تمكن الأبخاز بمساعدة قوات شركسية وروسية غير نظامية من دحر القوات الجورجية وتحرير أبخازية، بعد حرب دامت حتى نهاية شهر أيلول من عام 1993.

يعتمد اقتصاد أبخازية على الزراعة وتربية الحيوانات وتشتهر بزراعة التبغ والشاي والحمضيات والكرمة وأنواع أخرى من الأشجار المثمرة والخضر والحبوب. وتنشط فيها تربية الحيوانات والدواجن وصيد السمك في
البحر الأسود. وترتكز صناعاتها على المواد الأولية الزراعية والثروات المحلية، كصناعة التبغ وتعليب الفواكه والأسماك وتصنيع الشاي والألبان والجلود والأخشاب. وفي أبخازية مكامن للزئبق والبيريت، وتولد من مياه أنهارها الطاقة الكهربائية (المحطة الكهرمائية على نهر غوميست). وتعد الصناعة السياحية مصدراً مهماً للدخل، كما تسهم المصحات والمنتجعات الجبلية والبحرية في نمو البلاد اقتصادياً ورفد اقتصاد جمهورية جورجية التي كانت تسيطر على معظم المنشآت في أبخازية، وأهمها في مدن صوخوم وغاغرا وغوداوتا وغيرهـا. ومن مدنها الأخرى مدينة أوتشـامتشيرا وتكفارتشيلي.

عادل عبد السلام
http://www.arab-ency.com/

لماذا العودة الى الاديغي صعبة الى هذا الحد؟



بحثت مارينا قردن مشاكل العودة إلى الوطن في مقالة نشرتها في صحيفة أديغة ماق ( صوت الشركس ). تتساءل مارين : هل السبب في عدم العودة إلى الوطن هو فقدانه لجاذبيته أم نسياننا للوطن الأم؟ حاولت الكاتبة الإجابة على هذين السؤالين عبر المقالة التالية :

مدخل مدينة مايكوب


مارينا قردن

 نقول بأسى أن الكثيرين يعتبرون أن المكان الذي يقدم لهم إمكانية حياة أفضل هو وطنهم و ليس المكان الذي ينحدرون منه لهذا السبب يمكننا أن نلحظ أن العودة تكون في البلاد التي تقدم الدعم للعائدين. و السبب في ذلك غاية في الوضوح و الجلاء و هو أن كل شخص يجري وراء مصلحة ما. فأسباب عودة اليهود و الألمان و الروم إلى بلادهم ليست لأنهم لا يستطيعون العيش بعيدا عن ذويهم بل لعثورهم على حياة أفضل في تلك البلدان. و تلك الدول بدورها تتوقع الحصول على منفعة ما: فإسرائيل بحاجة إلى جنود على الدوام و ألمانيا و اليونان بحاجة إلى القوة البشرية.
 الأديغيون الذين ولدوا و يعيشون في القفقاس لا يحبون قوميتهم و وطنهم بما فيه الكفاية و هم هنا لأن الفرصة لم تسنح لهم بالذهاب إلى مكان آخر. في إحدى المرات سمعت فتاة تقول :"أشعر بالحزن لأن أجدادنا لم يذهبوا إلى اسطنبول، بالله عليكم قارنوا الحياة التي نحياها هنا بتلك التي يحياها أولئك هناك"فاجأني كثيرا ما سمعته. فهل يمكن للنقود و الحياة الجيدة أن تلوث إلى هذا الحد تفكير الإنسان؟ تعتريني الدهشة في كل مرة أقابل فيها أشخاصا يفكرون بهذه الطريقةإن فكرة "كل مكان لا نعيش فيه هو أفضل منا" ليست صحيحة. فبرأيي أن أفضل مكان للإنسان هو بلاده و وطنه إلا أن الكثيرين لا يفهمون هذا.
 وإذا كنا نحن لا نعرف قيمة ما نملك فماذا بإمكاننا أن نقول لذوينا الذين يعيشون منذ ما ينيف عن المائة عام في بلاد أخرى يعتبرونها أوطانهم؟ رغم كل هذا يعود بعض ذوينا إلى أوطانهم. ما الذي يمكننا أن نقدمه لهم؟ منزلا يسكنون فيه؟ عمل؟ لا هذا و لا ذاك. هل لكم أن تقولوا لي في أي مجال يمكننا مساعدتهم؟ هل افتتحنا لأطفالهم روضات أو مدارس ليتعلموا فيها لغتهم و يتكيفوا مع الحياة لدى عودتهم؟ إذا كنا لم نفعل أيا من هذا فلماذا إذا نصرخ قائلين "هيا عودوا!" يجب تهيئة أقل الشروط المعيشية كي يتمكنوا من العودة إلى هنا. فإذا ما كانت الحياة التي تحياها إحدى العائلات العائدة جيدة فإن عائلات أخرى أيضا ستحذو حذوها. إلا أننا نفعل العكس و من ثم نعجب للنتيجة التي نصل إليها. ذوونا الذين لا يريدون العودة يقولون "قلوبنا هناك" و هم بهذا قد اختاروا أسهل الطرق. لكننا لا نستطيع الحصول على أية منفعة من هذا ليس سهلا على الإنسان أن يترك كل ما لديه ليأتي مع عائلته إلى بلد مستوى المعيشة فيه أسوأ، و لو كان لوحده لكان أسهل عليه الإقدام على مثل هذه الخطوة يمكننا تقسيم الأديغيين القاطنين في الخارج من حيث ارتباطهم بوطنهم إلى فئات ثلاثة: الفئة الأولى لا تولي أية أهمية للمكان الذي تقطنه. و كي تدرك أن لها وطن يجب أن تواجه مصيبة كبرى و ألا يبقى لديها، نتيجة لهذا، مكان آخر تذهب إليه. و عندما لا تسنح لها الفرصة بالذهاب إلى دولة أخرى فهي تختار وطنها. أما الفئة الثانية فإنها و إن عاشت بعيدا عن وطنها إلا أنها تعرف جذورها و تحاول الحفاظ على لغتها و ثقافتها، كما تقيم علاقات مع القفقاس على قدر إمكانياتها, و هي تريد العودة إلى الوطن لكنها لا تستطيع مفارقة أحبائها و تنتظر تحسن المستوى المعيشي في بلادنا. أما الفئة الثالثة فهي الفئة التي لم تتخل عن فكرة ضرورة العودة إلى الوطن و التي عادت دون أن تلقي بالا إلى كافة المصاعب التي ستواجهها. بالنسبة لي لا داع لتذكير أحد بوجود وطن له أو رجائه أو إجباره على العودة إليه. فكل إنسان يجب أن يعطي قراره بنفسه. إذا ما عملنا جميعا من أجل شعبنا سيكون من الممكن حينها الحفاظ على لغتنا و ثقافتنا و أن نصبح أقوى. و يجب ألا ننسى المثل الأديغي القائل "الوحدة تولّد القوة ـ تيزيقوتمة تيلش".

ملاحظة : نُشرت هذه المقالة بتاريخ 01 شباط 2002 في صحيفة أديغة ماق تحت عنوان "تحليل حول العودة: يجب علينا أن نعمل كما ينبغي"، ترجمها إلى التركية إبراهيم تشيتاو و نقلتها إلى العربية وكالة أنباء القفقاس.


ملاحظة المدون : أصبح هنالك العديد من التغيرات على الساحة في الجمهوريات الشركسية في القفقاس من كافة النواحي , المقال لايعبر بالضرورة عن رأي المدونة أنما ننشره لنعطي فكرة الى قارئ العربية.